عنوان المشاركة: دراسة جديدة في نقد عبد الوهاب المسيري
مرسل: الأربعاء يوليو 01, 2009 6:04 am
اشترك في: السبت يونيو 27, 2009 9:08 pm مشاركات: 4 ما هو هدفك في الحياه ؟: الدعوة إلى الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أود أن أتقدم بجزيل الشكر للقائمين على هذا المنتدى, وإن شاء الله يكون فيها ما نرجوه من فائدة وخير, وأرغب في أن أتوقف قليلا عند فكر الدكتور الراحل الكبير عبد الوهاب المسيري في موسوعته إذا سمحتم لي، وبالذات عن اليهود واليهودية تحديداً, حيث اشتُهر عنه رؤيته التفسيرية الجديدة في اليهود واليهودية بعيداً عن نظرية المؤامرة, وإنه لمن الجميل والرائع محاولة الخروج عن العادة أو الموروث الفكري السائد الذي يفرض نفسه كمسلمات. ولكن على الرغم من أن الدكتور عبد الوهاب المسيري قد تبوأ مكانة عالية ومرموقة في تاريخ الفكر العربي, إلا أن ذلك لا يمنع من أن يكون له أخطاء, فليس هناك فكر منزه عن الخطأ, إلا الوحي المنزل من الله جل جلاله, هذه الحقيقة للأسف تكاد تغيب عن أذهاننا في هذه الأيام. وقد كان الدكتور عبد الوهاب المسيري بتواضعه مدركاً تماماً لهذا, ولذلك كان كما يُقال يقبل النقد بهدوء, وقد قال في مقدمة موسوعته بأن القراء والنقاد سيتحدثون عن إنجازات موسوعته أو يصححوا بعض الرؤى الجديدة المطروحة, خاصة وأنه يطرحها لأول مرة ولا زالت بحاجة إلى كثير من التقويم والتعديل لتقترب تدريجياً من الحقيقة, حيث يقول المسيري في نهاية مقدمة الموسوعة: "حدود الموسوعة الحديث عن إنجازات الموسوعة أمر سنتركه للمفكرين والنقاد والقراء. ومع هذا، قد يكون من المفيد أن نشير إلى ما تحاول الموسوعة إنجازه وما لم تحاوله، حتى يستطيع القارئ تحديد مستوى توقعاته منها وحتى تمكن محاكمتها من هذا المنظور وداخل الحدود التي وضعتها لنفسها. ... 26ـ ومع أن الموسـوعة حاولت إنجاز الكثير، إلا أن ما تقدمه هو أساساً برنامج بحثي وطرح لأسـئلة وإثارة لإشكاليات، أي أنها ورقة عمل بشأن الموضوعات التي تناولتها أكثر من كونها إجابات محدَّدة. وقد حاولنا أن نُحدِّد بعض معالم الإجابات وأن نوضح المنهج الذي استخدمناه في الوصول إلى هذه الإجابات. ومع هذا، تظل الموسوعة في نهاية الأمر جدول عمل، أي اجتهاداً أولياً." وكم كنت أتمنى من كل قلبي لو أدركت الكتابة في نقد فكر المسيري في حياته قبل موته حتى لا يلومني أحد, ولكن هذا فاتني بقدر من الله, حيث إني تعرفت على فكر المسيري وموسوعته فقط قبل عامين من وفاته تقريباً, ولم أتفرغ لدراسة فكره وموسوعته إلا قبل عام من وفاته, وسبحان الله, عندما انتهيت من قراءة موسوعته توفي المسيري, ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن كان لا يزال أمامي مشوار طويل في كتابة دراسة نقدية لموسوعته، وقد انتهيت منها في هذه الفترة بتوفيق الله، وعلى كل حال، المسيري لا يزال حياً بفكره وعلمه، بل يزداد حيوية وانتشاراً كل يوم, ولا شك أن المسيري ترك تلاميذ نجباء فهموا وتعلموا منه الكثير جداً وهم قادرون على تقييم دراستي النقدية عنه. حقيقة، يصعب تلخيص فكر فكر الدكتور الراحل الكبير عبد الوهاب المسيري في موسوعته حول اليهود واليهودي, لأن فكره غزير وموسوعته كبيرة, ولكن يمكن أن نقول بإيجاز شديد ما يلي: 1- اليهود أو الجماعات اليهودية لا تنطبق عليهم الصورة النمطية الشائعة عن سوء أخلاقهم وبخلهم, وتعاونهم في الخفاء على مصالح مشتركة وغير ذلك الكثير من الصور, وأهمها مؤامرتهم العالمية للسيطرة على العالم، وذلك رغم ورود أساس كافي لهذه الصور عن اليهود في الواقع وفي القرآن الكريم. 2- يرتكز المسيري في هذا الكلام على عدة عوامل, أهمها أن الحقائق والوقائع الثابتة عن سوء أخلاق اليهود أو تآمرهم, قد وُجدت بعد منتصف القرن التاسع عشر بين يهود روسيا وبولندا لأسباب حضارية ودينية مختلفة وكثيرة وليست نابعة من ديانتهم وعقيدتهم اليهودية أو التلمود, من أهمها فساد أخلاقهم وارتفاع نسبة مشاركتهم في الحركات الثورية والشيوعية مقارنة بغيرهم، وانضمامهم إلى الحركات الماسونية و...ألخ، وأن هذه الوقائع لا تدل على أن اليهود يخططون للسيطرة على العالم كما تقول بروتوكولات حكماء صهيون التي ينفي صحة نسبتها إلى اليهود, وإنما هي ظواهر اجتماعية مرتبطة بكونهم أقليات وجماعات وظيفية وغير ذلك من تفسيرات وتبريرات. 3- ويرتكز أيضاً على أن طبيعة اليهود وهويتهم الدينية قد تغيرت جذرياً بعد عصر الإستنارة أو بدء العصر الحديث, حيث لم يعد بإمكانهم برأيه الحفاظ على عقيدتهم العنصرية والبقاء في العولة الجيتوية, وإنما فرض عليهم الواقع الجديد الإندماج في مجتمعاتهم والإصطباغ بصبغتها، ومن ثم فقد تمت علمنتهم بصورة كبيرة وفقدوا برأيه جوهر عقيدتهم الدينية ولم يعودوا كعادة أسلافهم يتآمرون ويفسدون ويخربون, خاصة أنهم في النهاية تبنوا برأيه صيغ مخففة للغاية من اليهودية, وهي اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة, وكثير منهم ملحدون ليس لهم علاقة بأي طائفة يهودية.
يتبع بإذن الله.
باحث
عنوان المشاركة: Re: دراسة جديدة في نقد عبد الوهاب المسيري
مرسل: الجمعة يوليو 03, 2009 7:58 am
اشترك في: السبت يونيو 27, 2009 9:08 pm مشاركات: 4 ما هو هدفك في الحياه ؟: الدعوة إلى الله
4- أما بالنسبة لوصف القرآن لعموم اليهود بالشر والمكر والبخل والإفساد في الأرض, فيجد لها المسيري مخرجاً بطرح رأي جديد يفيد أن آيات القرآن المتحدثة عن اليهود بلفظ "بني إسرائيل" تنطبق على اليهود في بين عصر موسى وعيسى (عليهما الصلاة والسلام), أما آيات القرآن المتحدثة عن اليهود بلفظ "اليهود" فهي تنطبق على اليهود في زمن بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم), وبالتالي فهي لا تنطبق على اليهود في العصر الحديث, خاصة وأنه يرى أنهم تغيروا منذ عصر النهضة.
5- الإرتكاز على فرضية أنه لا توجد علاقة مباشرة بين سلوك اليهود وبين عقيدتهم أو التلمود والنصوص الدينية.
6- ومن أهم الأمور أنه يحاول أن يرجح أن ظاهرة الصهيونية (إعادة اليهود إلى فلسطين), ظاهرة غربية بشكل رئيس وناتجة عن عوامل غربية أكثر من العقيدة اليهودية الداعية لعودة اليهود إلى فلسطين.
وهناك الكثير من أفكاره الجديدة التي لا يتسع المقام لذكرها, ولنقل أولا, الله يعطي الدكتور عبد الوهاب المسيري العافية, على هذا الجهد الكبير, حيث فتح آفاقاً جديدة للبحث في هذه الظواهر الخطيرة والهامة للغاية, وخرج بنا من الإطار التقليدي المتلقي إلى إطار بحثي إبداعي متفاعل يحاول الوصول للحقيقة والتأكد منها, وعدم الإكتفاء بوراثتها عن الأولين على أنها حقائق جاهزة ومسلمة.
وقد دلنا الراحل المسيري على بعض القواعد لتنير لنا طريق البحث, منها قاعدة مهمة في البحث العلمي ذكرها في نهاية كتابه "الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ", وخلاصتها أن أي بحث يحوي أمرين أساسيين، الأول هو الحقائق والوقائع الثابتة, والثاني هو رأي المؤلف بها وتفسيره لها, فأما الحقائق الثابتة فنأخذ بها ولا يختلف على اثنان هذا, وأما الآراء والتفسيرات فهي محل أخذ ورد ونقاش، وهذه طبعاً معروفة لدينا من قبل ولكن المسيري أراد أن يؤكدها لنا, وهذا هو جوهر وروح فكر المسيري وروح العلم الحديث, أي رفض تقديس أي تفسيرات أو آراء جاهزة، والإستمرار بعملية البحث العلمي، حيث قال في المجلد الأول من موسوعته وهو يحوي الإطار النظري للموسوعة/ الجزء 2/ الباب 1/ صياغة النموذج وتشغيله:
"بعد تصاعدُ معدلات التجريد وظهور الأنماط الأساسية وربطها داخل منظومة متماسكة وبعد أن يتوصل الباحث إلى معالم النموذج التحليلي الذي يمكن من خلاله فهم الظاهرة أو معالم النموذج المعرفي الكامن في النص، ينبغي أن يدرك أن هذه ليست النهاية، بل هي بداية عملية جديدة إذ يتعيَّن عليه العودة إلى النص أو الظاهرة لاختبار المقدرة التفسيرية للنموذج (الذي صاغه أو اكتشفه). فقد يكتشف الباحث بعض العناصر أو الجوانب التي لم يتوجه إليها النموذج، فيحاول أن يوسع نطاقه حتى يستوعب هذه العناصر ويفسرها. ثم يعود الباحث بعد ذلك ليختبر النموذج مرة أخرى، فعملية الصياغة عملية حلزونية، لا نهائية، مستمرة مادامت التطبيقات ممكنة على حالات مختلفة، ولا شك في أن النموذج يزداد ثراء بتعدد تطبيقاته. بل قد تتغيَّر هويته تماماً بعد أن يحاول تفسير بعض الحالات التي تشكل انقطاعاً جذرياً." أ . هــ
ومن القواعد التي قدمها لنا المسيري، الإنطلاق في دراستنا من المرجعية الإسلامية والعربية، وهذه أيضاً معروفة لدينا من قبل ولكن المسيري أراد أن يؤكدها لنا، حيث قال في المجلد الأول/ الجزء الأول/ الباب الأول/ المصطلح: " وفي محاولة منا لتجاوز هذه الصعوبات وللوصول إلى مصطلحات أكثر تركيباً وتفسيرية وشمولاً ودقة نحتنا مصطلحات تَنبُع من نموذج تحليلي جديد مركب لا يتبنى المرجعية الغربية أو الصهيونية ويستند إلى إدراك عربي إسلامي للظواهر وإلى مرجعية عربية إسلامية." أ . هــ
وأيضاً في المجلد الأول/ الجزء الأول/ الباب الأول/ حدود الموسوعة: " تطرح هذه الموسوعة نفسها كمحاولة أولية لإعادة تأسيس أحد حقول الدراسة (دراسة اليهود واليهودية والصهيونية) انطلاقاً من رؤية عربية إسلامية. ونحن نذهب إلى أنه يمكن محاكاتها أو الاستفادة منها في محاولة تأسيس علوم إنسانية عربية بشكل منهجي." أ . هــ
إذن سأنطلق في دراستي من روح وجوهر فكر المسيري ألا وهو الإستمرار في البحث الدؤوب عن الحقيقة، ومن مرجعية إسلامية عربية، ولن أقف عند ما وصل إليه المسيري من نتائج وأعتبرها مقدسة، لأن ذلك يتناقض مع روح العلم ومع جوهر فكر المسيري.
باحث
عنوان المشاركة: Re: دراسة جديدة في نقد عبد الوهاب المسيري
مرسل: الجمعة يوليو 03, 2009 8:03 am
اشترك في: السبت يونيو 27, 2009 9:08 pm مشاركات: 4 ما هو هدفك في الحياه ؟: الدعوة إلى الله
المبحث الأول: أخلاق اليهود، هل هي دائماً سيئة في كل زمان ومكان؟
توصّل د.عبد الوهاب المسيري في بحثه المركب عن الفكرة الشائعة من اتصاف اليهود بخسة الأخلاق والرغبة بالمكر والكيد والحرص على المال وغير ذلك الكثير مما وصف الله جل جلاله به أغلبهم في كتابه الكريم من أفعالهم، ومن قتل وتكذيب للأنبياء، واستكبار عليهم، توصّل إلى أن سلوك اليهود يختلف باختلاف الزمان والمكان, بعكس ما هو شائع عنهم برأيه، وسأعرض أولاً كلامه، ثم سنختبر قدرته التفسيري ومدى تطابقها مع المرجعية الإسلامية التي انطلق منها المسيري، حيث يقول المسيري في: المجلد 2/ الجزء 1/ الباب 1/ الأخلاقيات اليهودية:
"«الأخلاقيات اليهودية» عبارة تفترض أن ثمة أنماطاً سلوكية يهودية متكررة تُعبِّر عن جوهر يهودي وطبيعة يهودية وشخصية يهودية تنعكس في رؤية أخلاقية محددة. وهي أنماط متكررة باعتبار أن هذه الأخلاقيات ثابتة لا تتغيَّر، وأينما وُجد يهود في أي زمان ومكان فإن المتوقع أن يسلكوا السلوك اللاأخلاقي نفسه الذي ينم عن الرغبة في تحطيم الآخرين والتآمر ضدهم.
وبسبب هذه الأخلاقيات اليهودية المزعومة، يتسم سلوك اليهود بحب العزلة عن الآخرين وعدم الولاء للدولة والانحلال الجنسي، كما أنهم لهذا السبب ينخرطون بأعداد كبيرة في المحافل الماسونية وينضمون إلى صفوف دعاة العلمانية الشاملة، كما أنهم عادةً ما يعملون بالتجارة والربا والأعمال المالية. ومصدر هذه الأخلاقيات، حسب هذه الرؤية، هو كتب اليهود المقدَّسة كالعهد القديم والتلمود، ويُضاف إليها الآن بروتوكولات حكماء صهيون، وهي كتب تعبِّر عن طبيعتهم وجوهرهم. لكن هذا النموذج التفسيري متهافت تماماً، فسلوك اليهود يختلف باختلاف الزمان والمكان. ومن هنا يجري حديثنا عنهم، لا باعتبارهم أعضاء شعب يهودي، وإنما باعتبارهم أعضاء جماعات يهوديـة."
يصف المسيري هنا الحقيقة المعروفة باتصاف اليهود بأسوأ الأخلاق كما أخبرنا الله عز وجل في كتابه؛ بأنها (نموذج تفسيري متهافت)، فهل يتفق هذا الوصف مع مرجعيته الإسلامية؟، وطبعاً القرآن هو أهم مصدر لهذه الحقيقة وليس الإنجيل!!، وحسبنا أن القرآن ذكر اليهود وحذر من خطرهم وسوء أخلاقهم في أكثر من (270) آية. هذا عدا عدد الآيات التي شملتهم بالذم مع النصارى باعتبارهم من أهل الكتاب، ولا تلك التي خص القرآن اليهود بها بالذم تحت اسم: (أهل الكتاب)، ليرتفع بذلك عدد الآيات التي ذم الله تعالى بها اليهود أكثر من ذلك بكثير، منها قول الله تعالى عن اليهود: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) [المائدة: 64]، ومنها: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 155]، وأيضاً: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) [المائدة: 82] ويكمل المسيري قائلا:
"ومن المعروف أن أعضاء الجماعــة اليهودية لم يعزلوا أنفسهم في بابل ولا في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولا في إسبانيا الإسلامية، بل اندمجوا إلى حدٍّ كبير في محيطهم الحضاري. أما في آشـور والصين، فقد انصهروا تماماً. وكان العبرانيون القدامي بدواً رُحلاً، وعملوا بالزراعة (وليـس بالتجارة أو الربا) حين اسـتقروا في كنعان.
وكذلك، فإن ولاء يهود ألمانيا في القرن التاسع عشر لدولتهم كان كاملاً إلى درجة أن نسبة مئوية ضخمة منهم تَنصَّرت حتى أنهم أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الشعب الألماني. كما أن ولاء الأمريكيين اليهود للولايات المتحدة من القوة بحيث إنهم يموتون من أجلها. أما عداء اليهود للأغيار فإنه ليس مطلقاً، فقد ساعدوا المسلمين في الفتح الإسلامي، سواء في فلسطين أو في إسبانيا. كما أن انحلالهم الجنسي غير مطلق أيضاً، فظاهرة الطفل اليهودي غير الشرعي أو البغيِّ اليهودية كانت غير معروفة تقريباً في أوربا حتى منتصف القرن التاسع عشر.
وأما الماسونية والعلمانية، فإن اليهودية الأرثوذكسية تعاديهما بشراسة، وهكذا. ولا يصعب على أي دارس مُتحيِّز أن ينتقي مجموعة من التفاصيل والقرائن مُنتزعة من سياقها الزمني والمكاني للتدليل على أية مقولة عامة، كأن يأخذ قرينة من المدينة أيام الرسول عليه الصلاة والسلام، وأخرى من إسبانيا أثناء الغزو المسيحي، وثالثة من روسيا في القرن التاسع عشر، ثم يستخدمها جميعاً لإثبات مقولة ما مثل « عدم ولاء اليهود » متجاهلاً كل القرائن الأخرى، كتلك التي ذكرناها."
بالنسبة لانعزال اليهود أو اندماجهم، فإن اندماجهم غالباً هو الأخطر بعكس ما يصور لنا المسيري, لأنهم في حالة اندماجهم يصلون إلى أعلى طبقات المجتمع, ويتغلغلون كجواسيس لليهودية داخل أجهزة الدول, كما هو حاصل الآن في أمريكا مثلاً، وأما العبرانيون القدامى فلم يكونوا بعد قد اتخذوا عقيدة الشعب المختار الحلولية, وأما يهود ألمانيا الذين تنصروا، فللأسف الشديد أغلبهم تظاهر بالنصرانية واندسوا يتآمرون على الدولة التي تظاهروا بالولاء لها، وفي النهاية كانوا سبب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى, أما يهود الولايات المتحدة، فولاؤهم وسبب قتالهم معها في الحرب العالمية الثانية هو الإنتقام من ألمانيا النازية, ولم يذكر لنا المسيري هنا هل كان اليهود في تاريخهم مستعدين للدفاع عن دولتهم الأم حين قالوا لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا) وقال الله عنهم: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) [البقرة: 96].
وأما مساعدتهم للمسلمين أحياناً في الفتح الإسلامي فقد كان فقط للتخلص من الاضطهاد الروماني والإسباني، ثم بدأوا بعد ذلك يكيدون بالمسلمين ويتعاونون مع الإسبان والفرس والصليبيين وغيرهم، للقضاء على دولة الإسلام, ويكفي أنهم هم الذين ساعدوا الإسبان في العودة, وهم من قضى على الدولة العثمانية. وأما الإباحية الجنسية عن اليهود فسأفرد له موضوعاً خاصاً إن شاء الله.
وأما معاداة اليهودية الأرثوذكسية للعلمانية والماسونية، فهذا غير صحيح لأن كل من اليهودية الأرثوذكسية والعلمانية والماسونية تنطلق من رؤية حلولية للإله والكون, واليهود هم أول الناس وأكثرهم علمانية وهم مؤسسوا الماسونية منذ زمن سيدنا سليمان (عليه الصلاة والسلام).
ومعنى كل هذا أن الحقيقة ثابتة عن سوء أخلاق اليهود, وحسبنا أن القرآن ذكر سوء أخلاق اليهود في (278) آية, فكيف يقول المسيري بأنه لا يصعب على أي باحث متحيز أن ينتقي القرائن ليثبت سوء أخلاقيات اليهود, سبحان الله، إن كل القرائن التي انتقاها ليثبت فرضيته تدل على العكس، بأن أخلاق اليهود سيئة في كل زمان ومكان. ويكمل:
" والصورة العامة التي ترسخت في أذهان الكثيرين عن أعضاء الجماعات اليهودية تعود ولا شك إلى الرؤى الإنجيلية الخاصة بالشعب المختار الذي لا يسلك سلوكاً حراً وإنما يُعبِّر دائماً عن قصد إلهي. كما أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة في الغرب، ساهم في ترسيخ هذه الصورة الإدراكية. فالجماعات الوسيطة لا تدين بالولاء للأغلبية، وتستخدم عادةً المعايير الأخلاقية المزدوجة باعتبار أن أعضاء الجماعة يتمتعون بالقداسة، أما أعضاء الأغلبية فهم مباحون لا قداسة ولا حرمة لهم."
إن هذه الصورة العامة عن اليهود مصدرها في العالم الإسلامي من القرآن وليس من الرؤى الإنجيلية, كما أن اليهود في العالم الإسلامي لم يضطلعوا بوظيفة الجماعة الوظيفية حسب كلام المسيري ورأيه في هذا الموضوع، فهل أتت إلينا هذه الصورة من الإنجيل أم من القرآن والمرجعية الإسلامية؟, ويكمل:
" ولكن المصدر المباشر لهذه الصورة السلبية للأخلاقيات اليهودية هو يهود اليديشية في مرحلة ضعفهم وتَفسُّخهم في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر حتى ثلاثينيات القرن العشرين، إذ تركزت نسبة كبيرة منهم في تجارة البغاء حتى أصبحت شخصية القواد اليهودي والبغي اليهودية أمراً شائعاً.
كما أن نســبة المهاجرين منهم كانت مرتفعة للغاية. والمهاجر في كثير من الأحيان، شخصية غير منتمية لا ولاء لها، كما أن معدلات العلمنة بين المهاجرين مرتفعة للغاية. وهكذا، فإن الصورة العنصرية النمطية السائدة عن الأخلاقيات اليهودية قد يكون لها أساس واقعي، ولكنها تنتمي إلى زمان ومكان محدَّدين، كما أنها فقدت كثيراً من فعاليتها إذ اختفى يهود اليديشية تقريباً وظهرت أنماط سلوكية جديدة بين أعضاء الجماعات."
لا يمكننا حصر هذه الحالة العامة لغالبية اليهود، بيهود اليديشية في روسيا وشرق أوروبا في فترة محددة. وكيف يكون هؤلاء هم مصدر هذه الصورة وقد عاشوا في أواخر القرون الوسطى الى أول القرن العشرين، وهذه الرؤية معروفة عن اليهود منذ أقدم الأزمنة قبل التاريخ، وفي كل زمان ومكان، حتى في مملكة سليمان قبل أن يصبحوا مهاجرين؟, ثم جاء كفرهم بالإسلام وتآمرهم عليه ليؤكد حقيقتهم الأبدية، حيث أنزل الله فيهم آياتٍ تتلى إلى يوم القيامة عن تآمرهم المستمر وإفسادهم في الأرض، والأحداث الذي جاءت بعد ذلك تؤكد أن الغالبية العظمى منهم في كل زمان ومكان تنطبق عليها كل هذه الصفات، باستثناء قلة نادرة ممن آمنوا، قال الله تعالى فيهم: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) [آل عمران: 113]، إضافةً لكل هذا فإن المسيري وصف هذه الحقيقة عن سوء أخلاق اليهود بأنها (صورة عنصرية) مع أن مصدرها هو القرآن، فهل ينطبق هذا الوصف مع الإنطلاق من المرجعية الإسلامية؟ ويكمل:
" وتنتشر فكرة الأخلاقيات اليهودية بين المعادين لليهود، ولكنها شائعة أيضاً بين الصهاينة الذين يعطونها مضموناً إيجابياً. فالأخلاقيات اليهودية تعبير عـن العبقرية اليهودية التي تجعل من اليهودي مبدعاً قادراً على التماسك الاجتماعي، محباً لقومه وقوميته اليهودية وأرضه... إلخ. وغني عن القول أن رؤية المعادين لليهود لا تختلف في بنيتها عن رؤية الصهاينة، فاليهود في نظرهم هم اليهود، يسلكون دائماً السلوك نفسه أينما وُجدوا." أ . هــ إن المسلمين الذين يحذرون من خطر اليهود يختلفون عن المعادين لليهود في الغرب مثل النازيين, بأن المسلمين يحذرون من خطر اليهود من دون السماح باضطهادهم وظلمهم، بل يعطونهم الحق في العيش حسب مفهم أهل الذمة، مع التحذير منهم وعدم أمان جانبهم، وهذه الرؤية المحذرة من خطرهم لدى المسلمين مستمدة من مرجعية إسلامية ولا علاقة لها بالمعادين لليهود والصهاينة.
المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى